محمد بن جرير الطبري
100
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ظلمت وصنع بي فأعطاه خاتمه وقال : اذهب فأتني بصاحبك وانتظره ، فأبطأ عليه الآخر ، حتى إذا عرف أنه قد نام وأخذ مضجعه ، أتى الباب أيضا كي يغضبه ، فجعل يدقه ، وخدش وجه نفسه فسالت الدماء ، فخرج إليه فقال : ما لك ؟ فقال : لم يتبعني ، وضربت وفعل فأخذه ذو الكفل ، وأنكر أمره ، فقال : أخبرني من أنت ؟ وأخذه أخذا شديدا ، قال : فأخبره من هو . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وذا الكفل قال : قال أبو موسى الأشعري : لم يكن ذو الكفل نبيا ، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مئة صلاة ، فوفى ، فكفل بصلاته ، فلذلك سمي ذا الكفل . ونصب إسماعيل وإدريس وذا الكفل ، عطفا على أيوب ، ثم استؤنف بقوله : كل فقال : كل من الصابرين ومعنى الكلام : كلهم من أهل الصبر فيما نابهم في الله . وقوله : وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين يقول تعالى ذكره : وأدخلنا إسماعيل وإدريس وذا الكفل والهاء والميم عائدتان عليهم في رحمتنا إنهم من الصالحين يقول : إنهم ممن صلح ، فأطاع الله وعمل بما أمره . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) * . يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد ذا النون ، يعني صاحب النون . والنون : الحوت . وإنما عنى بذي النون : يونس بن متى ، وقد ذكرنا قصته في سورة يونس بما أغني عن ذكره في هذا الموضع ، وقوله : إذ ذهب مغاضبا يقول : حين ذهب مغاضبا . واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبا ، وعمن كان ذهابه ، وعلى من كان غضبه ، فقال بعضهم : كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : وذا النون إذ ذهب مغاضبا يقول : غضب على قومه .